*هل عادت نواصينا إلى قبضة البنك الدولي؟* *✍️ علي خيرالله شريف* في ظل عهد الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام يعود لبنان إلى سياسة

عاجل

الفئة

shadow
*هل عادت نواصينا إلى قبضة البنك الدولي؟*

*✍️ علي خيرالله شريف*

في ظل عهد الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام يعود لبنان إلى سياسة الاقتراض التي بدأها الرئيس المرحوم رفيق الحريري في التسعينات، وتابعها أسلافه من بعده، وأدت إلى إغراق لبنان تحت أكثر من مئة مليار دولار من الديون، حتى بلغت فوائد اليوروبوندز ما يعادل ضعفي الناتج المحلي الإجمالي. والهاجس الأساسي للرؤساء الجدد وأكثر الوزراء، هو فتح أبواب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وباقي الـمُقرِضين الدوليين بالعملات الصعبة، أمام لبنان. وهذا خطرٌ داهم على وجود لبنان كدولة وككيان، وحذر منه الخبراء الاقتصاديون الـمُنصفون، وشجع عليه الـمستفيدون من الاقتراض بالسمسرات والعمولات والنهب وتعهدات المشاريع غير المنتجة.
يبدو أن لبنان يرتمي مجدداً في أحضان البنك الدولي بسعي حكومته ووزرائه الجدد الذين ينتمي حوالي نصفُهُم إلى عالم المصارف الذي أكل الأخضر واليابس. وهذه المرة سيكون الارتماء أكثر تدميراً للاقتصاد اللبناني وللسيادة اللبنانية المنقوصة أصلاً. وللأسف يغيب الشعب اللبناني عن أي اعتراض على هذا الارتماء، بل هو منشغلٌ بالمصائب التي يتخبط فيها نتيجة العدوان والأزمات المتنوعة.
نتذكر أن حكومة الرئيس حسان دياب خاضت مفاوضات شاقة وعنيدة مع صندوق النقد الدولي، لِتُجَنِّبَ لبنان الوقوع فريسة له. ونتذكر أيضاً أن الجهات التي أنتجت أكثر وزراء اليوم كانت تناصب الرئيس حسان دياب العداء بسبب حرصه الشديد يومها على تجنيب لبنان الوقوع في المزيد من المديونية الخارجية. وللأسف نرى هذا التيار من الوزراء يستولي على الحكم اليوم ويبدأ بتنفيذ أحلامه، وباكورة أعماله التحضير للحصول على قرض بثلاثة مليارات دولار من البنك الدولي، بشروطه التي كان يرفضها الرئيس حسان دياب، وكان يدعمه في رفضها الرئيس السابق ميشال عون وبعض القوى السياسية، وكان يؤيده الاقتصاديون الحريصون على مصلحة لبنان.
إذن يُرَوِّجُ الوزراء القادمون من الـمصارف، لمقولة حاجة لبنان الماسة للعودة إلى مسار الاستدانة من الخارج(وهو ترويج مشبوه)، وكأنه الخيار الوحيد الذي يصب في مصلحة لبنان. ويتم تناسي كل الخيارات الأخرى التي منها التنقيب عن الغاز(فالعدو يبيع الغاز من بئر كاريش بينما ينسجُ العنكبوت خيوطه على بئر قانا). وينسى الجميع مسألة تحويل اقتصاد لبنان إلى اقتصاد منتج(كما تضمنته خطة الرئيس حسان دياب الاقتصادية والمالية)، بدل أن يبقى اقتصاد ريعي ضعيف.
إن العودة إلى الاقتراض بالعملات الأجنبية، ستعيد إحياء نموذج التسعينيات الذي أوصل البلاد إلى أزمة 2019 وغيرها من الأزمات. وستؤدي إلى المزيد من تضخّم حجم الدين العام بالعملات الأجنبية، وإلى رهن حياة الأجيال القادمة أكثر لسداد فوائد الدين فقط. مع العلم أن هذه القروض لا تُنفَق في الاستثمار ولا في البُنى التحتية، بل يُنفق قسم منها على رواتب القطاع العام، وقسمٌ يتم ربطه بالمحاصصة وبتوافقات سياسية وبتشابك المصالح الخاصة لأطراف السلطة.

اختلط الحابل بالنابل في لبنان، حتى تاهت مصلحة البلد في ضباب البروباغندا والتدخلات الخارجية، بين الثورات والمسميات والمصطلحات الدولية والعربية الـمُضَمَّخَة بسوء النوايا. فبعد تَبَخُّر الودائع في البنوك، وبعد موجات الاحتجاج الشعبي على عربدة المصارف بمصالح الناس، نجد أنفسنا اليوم قد وقعنا مجدداً تحت مقصَلَتِهِم. ومن سخرية القدر أن جماعة ثورة ١٧ تشرين المخملية الـمُزَركَشة التي كانت تُحَمِّلُ المصارف والمصرفيين مسؤولية التردي الاقتصادي الذي وصل إليه لبنان، ها هم نوابها "التغييريون" أول من يطبل ويزمر للحكومة التي يهيمن عليها المصرفيون. حيثُ أنَّ أحد عشر وزيراً هم من أعضاء مجالس الـمصارف ومن القياديين المصرفيين ومن العاملين الفاعلين في البنك الدولي والصيرفة، ومن أصحاب الخبرة في الكثير مِمَّا ألَمَّ بالشعب اللبناني من نكبات. بالإضافة إلى ذلك نجد أن هذه الحكومة حملت كل استخفاف بمؤسسات لبنان التربوية وجامعاته، وكل استخفاف بالسيادة اللبنانية وبالشعب اللبناني، حيث رضَخَت لشروط السفارة الأميركية بأن تكون الأكثرية الساحقة من الوزراء من خريجي الجامعة الأميركية وجامعات أميركا.

يعبر الكثيرون عن تفاؤلهم بتركيبة الحكومة الجديدة، ويبنون الكثير من الآمال عليها. ولكن إذا استعرضنا بشكلٍ موضوعي المشاكل المستعصية التي يتخبط فيها لبنان، واستعرضنا السيرة الذاتية للوزراء الجدد، يتضاءل تفاؤلنا بالحلول لتلك المشاكل وبتأمين العيش الكريم للمواطن اللبناني. ويتضاءل أملنا بإعادة الودائع للناس، التي نهبتها المصارف مدعومةً من البنك الدولي. وعندما نتكلم عن الكهرباء والماء والنفايات والنقل المشترك، يتهيأ لنا وحش الخصخصة وبيع المرافق العامة، وبالتالي زيادة الرسوم والضرائب وارتفاع غلاء المعيشة، والمزيد من إرهاق المواطن، ومن الارتهان للخارج، ومن خطر بيع أصول الدولة للمؤسسات الدولية. وعلى الأرجح سيكون ذلك من ضمن التمهيد لمشروع الشرق الأوسط الجديد..

*الخميس 13 شباط 2025*

الناشر

1bolbol 2bolbol
1bolbol 2bolbol

shadow

أخبار ذات صلة